تعديل

الاثنين، 4 نوفمبر 2013

أزمة الضمير...وهلهلة الذات بقلم د: أيمن غريب قطب




ان الضمير نور وضعه الله في الفطرة ومؤشر ودليل وبوصلة تهدينا إلى الحقائق ....كل ما نحن مطالبون به أن نجلو أنفسنا من غواشي المادة ومن كثافة الشهوات فنبصر ونرى ونعرف ونميز .و الضمير امر مكتسب فهو كميه ما يكتسبه العقل من الحكمة والعلم والتمييز بين قيم الخير والشر وهو مجموعة الأخلاق والمثل العليا والقيم الدينيه والاجتماعية الموجودة ، لذا هو مكتسب, والعقل هو ما يعني بالتفكير ثم بادراك الضمير واكتسابه ليوجه النفس والغرائز ضمن دائرة ما يحدده الضمير لها .لذا يقوى الضمير ويضعف تزامناً مع قدره العقل بالأدراك والكسب والتعلم والاستنباط ، وكما ان الأخلاق وقيم الشر والخير معياريه ونسبيه خاضعة للظروف والموقف وما نحيطه به من علم ومعرفة .أن تعليم الضمير واكتساب الأخلاق يبدأ في مرحلة الطفولة ويرتبط تماماً بأساليب التنشئة الاجتماعية، وما يرافقها من تقنيات وأساليب يتعرض لها الطفل أثناء قيامه بسلوكيات مرغوبة أو غير مرغوبة. إنه بلا شك يكتسب الضمير أو الأنا الأعلى الذي يتحلى به الآباء، ومعاييرهم في الحكم على الصواب والخطأ؛ لذا نجد اختلاف المعايير الأخلاقية وشدتها من أسرة إلى أخرى ومن مجتمع إلى آخر. ومن خلال عملية التنشئة الاجتماعية يكتسب وعبر اتباع عدة أساليب مستقلة ومتتابعة ومتكامله في آن واحد، دون الاعتماد على أسلوب وترك غيره؛ لأن التكامل فيما بينها قائم أساساً، بل لأن أحدها قد يؤدي إلى الآخر ومنها الثواب والعقاب حيث تعد أساليب الثواب والعقاب وسيلة هامة يلجأ إليها الآباء والمربون لغرس الضمير أو الأنا الأعلى في نفوس أبنائهم، وذلك وفق مبادئ نظرية التعلم التي تؤكد أن السلوك الذي يكافأ يميل لأن يقوى ويتكرر إلى الحد الذي يصبح فيه أسلوب حياة يلجأ إليه الفرد وكعادة سلوكية ثابتة نسبياً، وبالمقابل فإن السلوك الذي يُعاقب عليه يميل لأن يضعف وينطفئ. كما يمكن للأطفال عن طريق ملاحظتهم لسلوك الآخرين، تنمية معايير أخلاقية وأنماط سلوكية محددة، فبمجرد ملاحظتهم لما يقوم به الآخرون فإنهم يتخذونهم قدوة، دون أي حاجة لتدعيم السلوك إيجابياً أو تنحيته سلبياً، وهؤلاء الآخرون يكونون عادة الآباء والمدرسين والأخوة والشخصيات المشهورة في المجتمع الحالي أو عبر التاريخ في أي مجال يقدره الطفل أو من حوله. وترتبط ملاحظة الطفل لسلوك الآخرين بقدرته على تقليدهم ومحاولة محاكاتهم بدءاً من بداية السنة الثانية، حيث تعتمد المحاكاة على الملاحظة المباشرة للسلوك وليس على صورة ذهنية له، ولكنه لا يلبث أن يتحول تقليده من الصور المادية إلى الصور الذهنية حيث تستدمج هذه الصور داخلياً ويصبح قادراً على استرجاعها فيما بعد. ولا يقف ظهور السلوك عند حد الملاحظة والمحاكاة بل يتعداه إلى التوحد الذي يمثل أعلى مرحلة من مراحل التقليد؛ فالطفل يلاحظ وجود شخص يشبهه ثم لا يلبث أن يشاركه في كل سلوكياته، بل يبدو وكأنه يتقاسمها معه انفعالياً ووجدانياً؛ فيتبنى الطفل نمطاً كلياً ثابتاً نسبياً للسلوك الصادر عن الشخص المتوحد به والذي غالباً ما يكون الوالدين أو أحدهما. الطفل من خلال عملية التنشئة الاجتماعية يبدأ بالشعور بالقلق إذا لم يطبق المعايير الاجتماعية المقبولة على سلوكه الخاص، إنه يبني منظومة سلوكية ذاتية لا شعورية توجه سلوكه باتجاه ما بعيداً عن الرقابة . واليوم.. نجد أنفسنا في حال لا نحسد عليها.. إذ انقلبت موازين الضمير والأخلاق.. وما كان مرفوضاً أصبح مقبولاً.. وما كان عيباً وعاراً أصبح شرفاً فسقطت أخلاقيات كثيرة وانتحر الحياء أمام الملأ. نجدنا كل يوم إزاء أزمة وأخرى لأن الأمر متعلق أصلاً بالأزمة الكبرى وهي أزمة الضمير.. والأخلاق.. يقول المصطفى صلوات الله وسلامه عليه: (ما من شيء أثقل في ميزان المؤمن يوم القيامة من خلق حسن وإن الله ليبغض الفاحش البذيء) وقال عليه السلام: (إن أحبكم إلى الله وأقربكم مني مجلساً يوم القيامة أحسنكم أخلاقاً).. لكن البعض يتغافل عن هذا التوجيه فنحن في زمن الهجوم على الأخلاق الفاضلة والقيم السامية لأننا نفتن في أخلاقياتنا كل لحظة ونمتحن فيها كل آن.. فهو زمن التعرّي في كل شيء بدءاً من الملابس ومروراً بالعادات الجميلة والقيم الجليلة والمفاهيم المثالية ووصولاً إلى التعرّي من الضمير والأخلاق! أن الحياة قد تعقدت ولم تعد هي تلك الحياة البسيطة التي كنا نحياها في الماضي، والتي كانت تحكمها أعراف تنطوي على قيم جليلة كالتواد والتراحم والحرص على احترام إنسانية الآخرين، حين كان المجتمع يطرح الفردية والأنانية الذاتية، وحين لم يكن شعار "أنا ومن بعدي الطوفان" قد ارتفع بعد، وحين لم نكن نعرف هذا التسيب العارم الذي اجتاح حياتنا المعاصرة. ويرى أن مجتمعنا الآن باتت تعوزه القدوة، فالأفراد يعرفون ويسمعون الكثير عن انحرافات تؤرق ضمائرهم، بل هم يرونها تقع في أوساط ومستويات كان الأولى أن تتسم بالنزاهة، كما يشهدون أن العقاب قد يلحق بالبعض دون البعض الآخر، وتجد من ليس عنده يؤخذ منه، ومن عنده يضاعف له العطاء!! سقطت أخلاقيات كثيرة وانتحر الحياء أمام الملأ وأصبح القانون السائد إذا لم تستح فاصنع ما شئت فأصبحنا نرى تصرفات وسلوكيات وأقوالاً ونماذج من البشر نُزع الحياء منهم ولا حول ولا قوة إلا بالله.. ولا يدرون أولئك النفر أن ذلك هو قمة سخط الله ومنتهى غضبه فقد روى أنه إذا أراد الله بعبد سوءًا نزع منه الحياء ونحن -مع الأسف- نعيش زمناً صار الحياء فيه موضة قديمة وحلية أصحاب العصور الغابرة فلا والله ما في العيش خير ولا الدنيا إذ ذهب الحياء,والكارثة الكبرى تكمن في أن غالبية النشء اليوم لم يُربوّا على الحياء ولم تغرس فيهم الأخلاق النبيلة يترجم ذلك ما نراه في الشوارع والأسواق والمدارس التي غفلت أيضاً عن دورها وجعلت همها الأكبر تلقين الطالب العلوم دون أن تؤدي واجبها التربوي والتوعوي ودورها في تقويم السلوك ناهيك عن الفضائيات. البعض يأمر دومًا بالمعروف وينسى نفسه! الخطب في الشعائر الدينية لا تقدم للناس تفسيرًا مقنعًا لما أصاب المجتمع من عطب! والحلول إما شعارات غوغائية أو غير واقعية أو هي لا حلول على الإطلاق، أو هي جديرة ببثها في مجتمع من الملائكة، ثم إذا الناس يداهمون بما يزيدهم حيرة واضطرابا لما تحمله بعض الوقائع من مفاجآت!! الوالد الذي يعتبر طفله نابهًا أو فهلويًا لأنه نجح في الغش من زميله على مقاعد الدرس لا يدري أنه بمباركته هذه الفعلة إنما يعد للوطن رجلاً فاسد الخلق عديم الضمير!! أن نظرية المؤامره شئ غير ذي بال وانما هي شئ من قبيل التبرير و التحايل على فساد مجتمعاتنا باستحضار الأجنبي الذي يقف وراء ذلك، أن "الأجنبي لو أراد لنا هذه الشرور المستطيرة لما استطاع دون إعانة منا.. أن الأجانب ليسوا مشغولون بنا إلى هذا الحد، فلو كنا شاغلهم الوحيد لما تفرغوا لما يحققون كل يوم من تقدم وانجاز نكتفي نحن أمامه بالذهول والانبهار!!". ويبقى الضمير حقيقة ثابتة، فقتل البريء لن يصبح يومًا ما فضيلة وكذا السرقة والكذب وإيذاء الآخرين والفحشاء والفجور والبذاءة والغلظة والقسوة والنفاق والخيانة كل هذه نقائص خلقية، وسوف تظل هكذا إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها.

0 التعليقات:

إرسال تعليق

Twitter Delicious Facebook Digg Stumbleupon Favorites More